Search
blank
blank
blank

 
موقع بات

مدافن بات الأثرية بعبري شواهد حجرية لحضارة عُمانية موغلة في القِدم...



 لم تكن مدينة "بات" الأثرية في مطلع السبعينيات الماضية إلا مجرد أكوام من حجارة، تتناثر في البقاع والمرتفعات، وتنسج المخيلة الشعبية حولها قصصا وأساطير، تحاول أن تعطي لها تفسيرا، وحينها لم يدر في خلد أحدهم أن هذه الأكوام تعود بزمنها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وأن سكانها قد عاشوا في عصر أطلق عليه بالعصر البرونزي، وأن المسافة التي تفصل بين من بنى تلك الأبراج الشبيهة بخلايا النحل، وبين سكان بات الحاليين، تصل إلى خمسة آلاف سنة، لذلك فالزيارة إلى مستوطنة "بات" الواقعة في جهة الشرق من ولاية عبري بمحافظة الظاهرة هي زيارة استثنائية للتاريخ، والوقوف عند أطلالها وأبراجها أشبه بقراءة فصول مثيرة من ذلك الزمن البعيد، وكلما أمعن الزائر النظر إلى تلك الأبراج، تلوح له قسمات من ملامح حضارة عُمانية موغلة في القدم.
 

مدافن ام النار

ومع بداية سنوات السبعين، قامت السلطنة ممثلة في وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع بعثات أثرية مختلفة (دنماركية وألمانية وأمريكية) بالتنقيب في الموقع لعدة مواسم، وما زالت عمليات التنقيب جارية لمعرفة المزيد عن شواهد هذه الحضارة العُمانية العريقة، وكانت البداية بالكشف عن مدافن تبعد مسافة قصيرة من قرية بات الحالية، وبعد دراسات استكشافية قام الآثاريون بتقسيمها إلى جزأين، يحوي الجزء الجنوبي من الموقع على مدافن تشابه مدافن فترة "أم النار"، ويحوي الجزء الشمالي على مدافن تشاكل في بنائها مدافن "حفيت"، وهي أبراج تشبه خلايا النحل، مبنية من الحجارة بطريقة هندسية متقنة، كما توجد أعداد كبيرة من المدافن تحيط بالبلدة من جميع الجهات، إلا أن أكبر تجمع لها يقع على بعد نصف كيلومتر شمال بلدة بات.

كما كشفت البعثات الأثرية عن وجود مقبرة متطورة في بناءها المعماري، احتوت على 100 مدفن حجري، يبلغ ارتفاع القبر الواحد منها ثمانية أمتار، وعثر فيها على قطع من الفخار الأحمر، يشبه فخار موقع "جمدت نصر" بالعراق، كما عثر على فخار مزخرف بأناقة، تظهر على سطحه ملامح لخطوط سوداء أفقية الشكل، إلى جانب العثور على قطع فخارية أخرى تظهر فيها مقابض للتعليق، وهذا النوع من الجرار كان شائعاً في مدافن ومستوطنات فترة "أم النار" التي ظهرت في عُمان والإمارات.

وإضافة إلى ذلك كشفت البعثات الأثرية في الموقع برجا مستدير الشكل، يحيط به جدار مبني بحجارة مربعة، وفي أحد جوانبه كشف عن مصطبة أشبه بسلم حجري تؤدي إلى المبنى، وبداخله بئر يقسم البرج إلى نصفين، ويتألف كل قسم من حجرات مستطيلة، ولم تكن هناك مداخل تصل بين الحجرات أو الجدار الخارجي، مما يفسر أن البئر المكتشف في وسط المبنى ربما تكون له صلة بنظم الري في المنطقة، كما تم الكشف عن خمسة أبراج أخرى، مشابهة في التخطيط والتقسيم لهذا البناء.
 
ويرى باحثون بعد دراستهم للموقع أن مدينة بات عاشت فترات رخاء اقتصادية، إذ أن موقعها الجغرافي يتسم بخاصية استراتيجية وبيئية غنية، وذلك بفضل وفرة المياه، وأراضيها الزراعية الخصبة، ولعبت الحركة التجارية للقوافل دورا كبيرا في ازدهارها، لوقوعها كما يرى الآثاريون في ملتقى الطرق القديمة للقوافل التجارية الواصلة بين مدن السواحل العمانية، وكانت القوافل التجارية القادمة من شبه الجزيرة العربية عبر الصحراء، والمتجهة إلى سواحل خليج عمان تمر على بات، فتتاجر في أسواقها، وتتزود باحتياجاتها منها قبل الوصول إلى مبتغاها.

وإضافة إلى ما سبق ذكره عن مدافن بات، فإن الموقع يحتوي على أبراج دفاعية كبيرة الحجم ودائرية الشكل، وقد لوحظ أنها منتشرة في مواقع أخرى بمحافظة الظاهرة، تحتوي على تقسيمات هندسية رائعة، ويبدو أنها كانت بمثابة أبراج حراسة. وتمهيداً للبدء في مشروع التأهيل السياحي لمستوطنة بات الأثرية، فقد تم التنقيب في عدد من القبور الأثرية التي تعود إلى فترة أم النار والعصر الحديدي، كما تم ترميم أحد قبور المدينة الأثرية، والذي شيده الأسلاف فوق تل، بقوالب حجرية بيضاء، كما رممت بعض غرف البرج الرئيسي في المستوطنة، لحمايتها من الانهيار والاندثار. ونظرا إلى الأهمية الثقافية والتاريخية لموقع بات الأثري، فقد أدرجته المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" في عام 1988م، ضمن قائمة التراث العالمي الطبيعي، واقترن إدراج هذه المستوطنة بموقعين آخرين هما؛ موقع الخطم "الوهرة"، ومدافن "وادي العين"، وذلك للتناسق الجغرافي والجيولوجي والبيولوجي والأثري لهذه المواقع.
 
الخطم

الخطم " الوهره " :

والمعلوم أن موقع الخطم "الوهرة"، يبعد مسافة كيلومترين عن مستوطنة بات، ويقع تحديدا جهة جنوب الغرب منها، يشمل على برج بيضاوي الشكل، ينتمي إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد، يقع فوق تل صغير، كما تنتشر على سلسة التلال المحيطة بالبرج مدافن ركامية، تعود إلى تلك الفترة البعيدة.







مدافن وادي العين

 مدافن وادي العين :

 أما موقع وادي العين فهي مدافن برجية، تبعد مسافة 30 كم شمال شرق مستوطنة بات، وتقع على سلسلة تلال صخرية مرتفعة على  الضفة الشمالية لوادي العين، حيث تصطف في خط شبه مستقيم، ويبلغ عددها 21 مدفنا، تنتمي هذه الأبراج إلى مجموعة مدافن خلايا  النحل الواقعة في مستوطنة بات، وتؤرخ هي الأخرى إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد، وبنيت مدافن وادي العين بقوالب حجرية جيرية، ويبلغ محيطها الخارجي خمسة أمتار، ولكل مدفن مدخل مثلث الشكل، تتجه جميعا نحو الشرق.

واليوم من يقف عند هذه المستوطنة الأثرية، لا يستدعي التاريخ الماضي فحسب، بل سيعجب بخطط التنقيب، وبرامج الترميم، التي بذلتها الحكومة ممثلة في وزارة التراث والثقافة، من أجل النهوض بأمجاد الأجداد، وسيزداد إعجابا بجهود أهالي بات، الذين تعاونوا مع فرق التنقيب، واستجابوا لنداءات الحفاظ على هذه المعالم، وبالتعاون يدا بيد تكللت الجهود بالنجاح، وقد تم استرجاع وجمع تلك الأحجار المتناثرة للموقع، والتي تعود بذاكرتها وذكرياتها إلى آلاف السنين، الغائرة في عمق الحضارة الإنسانية.



شهادة من منظمة العالمية لليونسكو

شهادة من منظمة العالمية لليونسكو


جميع الحقوق محفوظة لوزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان 2012 ©  |  Login
facebooktwitter
blank
blank
blank