|
قتطفات صحفية
الأربعاء، التاريخ 19 صفر 1431 هـ الموافق: 3 فبراير 2010م
قلهات .. العبور من دهاليز التاريخ العتيقة

جهود جبارة تبذلها وزارة التراث لبعث «أمجادها»
القديمة - كتب عاصم الشيدي
عندما تقرر أن تخط حرفا واحدا عن قلهات، لن يكون بوسعك أن تتجاهل
التاريخ الممتد في الأعماق قيد أنملة، وربما ستنسى كل شيء ولن تقف إلا
عند تموجات التاريخ التي ما زالت تحتفظ بألوانها القزحية. وإذا كانت
حضارة قلهات تعد من أهم الحضارات التي تعاقبت على السلطنة فإن ثمة
الكثير من مفردات الحضارة التي ما زالت مدفونة تحت التراب وتحت تعاقب
الأزمنة على المكان الواحد.
تحت تلك الأكوام المتراكمة للحضارات شهدت الأبجدية ولادتها الأولى في
الألف الثالث قبل الميلاد، كما يشير بعض الباحثين الذين يستدلون بأدلة
وآثار لا تنقصها القوة والتثبت. وإذا كانت الحضارة القلهاتية التي ما
زالت فوق الأرض توضح بجلاء التطور الكبير الذي كانت عليه المدينة
التاريخية فإن ما هو تحتها سيكشف الكثير من المفردات الحضارة التي
تداعت ذات تقلب وغضب للطبيعة وتغير في مجرياتها.
كل ذلك الثراء وتلك الحضارة التي لا حدود لامتداداتها الزمانية التي
تصب في المكان الواحد جعلت وزارة التراث والثقافة تولي المدينة القديمة
جانبا مهما لبعثاتها الأثرية التي تستهدف بعث الحضارة المدفونة.
كان ذلك عام 2003 عندما بدأت أولى المساعي للكشف عن مكنونات الموقع
ونظمت الوزارة حفرية بالتعاون مع المستر توم فوسمر رئيس البعثة
الايطالية استمرت حوالي شهرين حيث تم الكشف عن أساس لمبنى يحتوي على
عدة غرف متجاورة.
واليوم وبعد مضي ذلك الزمن تحققت الكثير من أهداف البعثات الأثرية.
ويسرد أخصائي الآثار أيوب البوسعيدي رئيس فريق البحث أن البعثة استطاعت
بعث طرقات المدينة،ودهاليزها حيث تم تنظيف حوالي 373 مترا من تلك
الطرقات فيما يستمر البحث بشكل حثيث وجاد. ويساعد أيوب البوسعيدي سعيد
الجديدي أخصائي الآثار. ويؤكد أيوب وسعيد أن طرقات المدينة ظهرت للعيان
لأول مرة بعد أن كانت على الخريطة فقط.
ومن الأشياء التي يتحدث عنها أيوب وسعيد بفرحة كبيرة ظهور جزء كبير من
سور المدينة الذي يستطيع الزائر أن يراه بسهولة ويسر حيث تم الكشف عن
246 مترا من السور من أصل 420 مترا وهو طول السور من أحد أجزاء المدينة.
ومن الآثار التي استطاع الفريق الكشف عنها ثلاثة أبراج واصحة من أصل
سبعة أبراج بعضها نصف دائرية، وبعضها الآخر دائري، و تتميز الأبراج
بوجود سلالم في داخلها تفضي إلى خارج المدينة.
وكان فريق أثري فرنسي قد عمل في الموقع ووضع الخرائط فيما تولى فريق
أثري عماني بعث اُار والكشف عنها. ويقول أيوب أن الزائر يستطيع أن يسير
بسهولة ويسر في المدينة القديمة ويتعرف على ملامحها الواضحة.
يذكر أن مشروع قلهات يشمل جانبين مختلفين وتفاصيل مُكملة وهما الدراسة
الأثرية العلمية واستخدام الموقع كمنتزه أثري.
وكانت البعثات التي نقبت في قلهات تهدف من عملياتها التنقيبية تسليط
الضوء على فترة ما قبل الإسلام في السلطنة، وأسطورة (مالك بن فهم
الأزدي) وتأسيس مدينة قلهات. والمساعدة على فهم التطور التاريخي
للمدينة والمنطقة خلال القرون الوسطى، وفترات الازدهار والاضمحلال،
وفترات السلام والحرب. والحصول على المزيد من المعلومات عن شبكات
التبادل التجاري التي جرت في المرفأ وتاريخ التجارة في المحيط الهندي
في تلك الفترة، وذلك من خلال التحليل التفصيلي للمادة الأثرية (خاصة
الفخار) المكتشف في الطبقات الأثرية. والكشف عن الحدود الخارجية
الكاملة، وبالتدريج التنظيم الاجتماعي والتوزيع المكاني، والحياة
اليومية لمدينة عمانية كبيرة في فترة القرن 14-16م، حيث ان كل المباني
التي تنتمي لهذه الفترة تشاهد بوضوح على السطح
الأمر الذي أثار الكثير من الاستغراب.
وفي شهر نوفمبر من عام 2008 نفذت أعمال الحفر الأولى للبعثة الفرنسية
وجاءت بنتائج مثيرة جدا. حيث اكتشاف مسجد الجمعة في المنطقة القديمة من
المدينة قرب البحر، وآثار بناءين متعاقبين. المبنى الأقدم يمكن أن يكون
المسجد الذي وصفه ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي، أما الثاني
فهو عبارة عن الضريح الذي قامت ببنائه بيبي مريم في عام 1300م تقريبا
وتم تزيينه بقراميد مزججة وجميلة من القاشان، وعلى الأرجح أن المبنى
العلويّ هو المسجد الذي تعرض للحرق في فترة طرد البرتغاليين من المدينة
عام 1508م، وللمسجد سبعة صحون ومحراب ومنبر، تم تزيينه المسجد بكسر من
البلاطات التي أعيد استخدامها من المباني السابقة، والتي ربما تعرضت
للتدمير من بواحدة من الزلازل التي ذكرت في نصوص القرن الخامس عشر
الميلادي. وأظهرت الخنادق التجريبية في الحفر الأثري أن استيطان
المدينة بدأ في القرن الثاني عشر الميلادي تقريبا. ولذلك، على الأرجح
يوجد مسجد واحد على الأقلّ أقدم فترة مدفون مبنى ضريح بيبي مريم.
ومن الحفريات الأثرية التي تم تنفيذها في مناطق أخرى من قلهات، كانت في
الجدران المحصنة، وعلى الأخص، البوابة الشمالية للمدينة ، فرن لحرق
الفخار يؤرخ إلى القرنين 15/14 الميلادي حيث اظهر ولأول مرة الإنتاج
الحرفي المحلي خلال فترة العصور الوسطى، وبيت كبير مصاحب للمسجد، ويمكن
اعتبار أن جميع هذه العناصر المعمارية جاهزة لعمليات الترميم. حيث أنها
أمدتنا بكميات كبيرة من الفخار المستورد من دولٍ مثل الصين والهند،
والتي تشهد على وجود شبكات تجارية دولية كانت تزاول نشاطها في مرفأ هذه
المدينة. وبدعمٍ من مجموعة شركة توتال الفرنسية تم إجراء مسح طبوغرافي
شامل للموقع.
ونظرا لقلة الوثائق المكتوبة عن تاريخ قلهات وعدم وضوح الصورة حول
هندسة المباني ومكونات المدينة التاريخية فقد تم التباحث حول كيفية
الحصول على المعلومات التي تمد بدراسة مقارنة بالمباني المشابهة في
مدينة هرمز التي تنتشر فيها مبانٍ مثيلة للشواهد الأثرية في قلهات
كالأضرحة، وخزان المياه، وتقوم بعثة إيرانية بإجراء بحوث مقارنة حول
هذا الأمر.
يستطيع القارئ أن يتخيل بجموح كل تلك الجهود الجبارة التي تبذل في سبيل
بعث ذلك التراث العريق الذي يختبئ تحت أكوام التراب الذي خلفته
الحضارات المتعاقبة على المدينة، ورغم ذلك ما زال الكثير والكثير عصيا
على الكشف وعصيا عن البعث، الأمر الذي ينبئ أن الأيام القادمة في تاريخ
البحث والتنقيب في المنطقة ستكشف الكثير من الخطوط الغامضة في تاريخ
مدينة قلهات.
|