|
من وحي المتحف الوطني
خمسين مقتنى يسرد تاريخ عُمان
يسرني أيها القارئ الكريم أن استعرض معكم من خلال هذه السلسلة الجديدة
من المقالات الشهرية بعنوان "خمسين مقتنى يسرد تاريخ عُمان"، ثاني
مقالاتنا والمخصصة لتناول "أسد صحار" وهي لقى فخارية فريدة أكتشفت في
مدينة صحار يعود عمرها الإفتراضي إلى القرن الرابع عشر الميلادي. تعتبر
هذه المقالات بمثابة نوافذ أو إطلالات تهدف إلى سرد مفاصل وأحداث
متنوعة من تاريخ عُمان من منطلق تعريف القارئ بجملة من الشواهد المادية
المنتقاه ذات المدلول والبعد التأريخي المتميز والتي ستكون متاحة
للإطلاع في صالات ومرافق المتحف الوطني الجديد بعد اكتماله.
وتقوم وزارة التراث والثقافة منذ نشئتها في العام ١٩٧٦م بجمع وتوثيق
وحفظ وصون الشواهد المادية موضع البحث طوال السنوات الماضية تمهيداً
لإبرازها بالوجه الأمثل، واليوم أنتم مع موعد مع ثاني هذه الشواهد، الا
وهو "أسد صحار" الذي سبق ان نشر عنه تحقيق مفصل في العدد الخامس عشر من
مجلة الدراسات العُمانية بقلم الدكتورة مونيك كيرفان بعنوان "البحوث
الأثرية في صحار في الفترة ما بين ١٩٨٠–١٩٨٦م". وفي سياق الإعداد
لمشروع المتحف الوطني، قامت الوزارة في العام ٢٠١١م بدعوة خبيريين
عالميين في مجال الخزفيات الأسيوية لدراسة وتقييم مقتنياتها ومن ضمنها
"أسد صحار".
بيانات عامة
|
الاسم |
أسد صحار |
|
المنشأ |
الصين |
| التاريخ |
القرن الرابع عشر الميلادي (؟) |
| المواد |
خزف حجري مع تزجيج متشقق أزرق مع
فقاعات وبقع حديد بنية تحت التزجيج |
| المقاسات |
الطول ٨ سم |
| مكان
العرض |
قاعة عُمان والعالم/ قسم عُمان
والشرق الأقصى/ المتحف الوطني الجديد |

البعد التاريخي العام
يعتبر "أسد صحار" وهي لقى فخارية صغيرة المقاسات، وتجسد إنساناً يتربع
زهرة اللوتس على ظهر أسد، القطعة الأبرز من بين كافة المكتشفات الأثرية
في صحار. تم إكتشاف القطعة في العام ١٩٨١م أثناء عمليات الحفريات التي
تولتها البعثة الفرنسية العاملة في صحار الفترة من ١٩٨١-١٩٨٦م. وتؤرخ
القطعة التي منشأها الصين إلى القرن الرابع عشر الميلادي تقريباً، أي
أواخر فترة حكم أسرة "سونج" (حكمت من ٩٦٠–١٢٧٩م) أو بداية فترة حكم
أسرة "يوان" (حكمت من ١٢٧١–١٣٦٨م). تتميز القطعة بالتزجيج الأزرق
المتشقق المُبيَّض بالإضافة إلى رشات من أكسيد الحديد البني تحت طبقة
التزجيج. عثر بجانب هذه القطعة على طاسة من آنية "سجرافيتو" وقطعة
لوعاء صغير على شكل بقرة ، إضافة إلى قاعدة لكأس حجري أخضر-رمادي منقوش
عليها زهرة اللوتس. يكتنف القطعة الكثير من الغموض حيث أن عمرها
الإفتراضي يعود لفترة إضمحلال صحار على ساحة التجارة الدولية، كما أننا
لا نعرف عن من استخدم القطعة والكيفية التي أستعملت فيها، والمسار الذي
سلكته وصولاً لصحار.
شهدت فترة حكم أسرة "سونج" فترة إزدهار التجارة الصينية، وقد وصف
الجغرافي المغربي أبو عبدالله محمد الإدريسي في العام ١١٥٤م التجارة
الصينية في المحيط الهندي وصادرات سلعها إلى اليمن والسند والعراق من
الحرير، والسيوف،
والمنسوجات، والفخار. وفي المقابل، برز دور التجار العرب والمسلمين
الذين وصلوا الصين حيث لعب البعض منهم أدواراً تجارية هامة وحتى تقلد
مناصب سياسية مرموقة.
تمتد العلاقات المؤرخة بين عُمان والصين إلى حوالي أربعة عشرة قرناً.
إن أقدم التجار المسلمين العرب الذين وصلوا الصين كان من العُمانيين،
وأسمه أبو عبيدة عبدالله بن القاسم من بلدة بسيا بالقرب من بهلاء، كان
فقيهاً وتاجراً متمكناً وأحد رموز دولة الإمام الجلندى بن مسعود (حكم
من ٧٤٩–٧٥١م) مؤسس الإمامة الأولى في عُمان. وصل الصين في العام ٧٥٠م
بغرض إيجاد روابط تجارية أثناء فترة حكم أسرة "تانج". كانت حقبة مثيرة
حيث شهد العام ٧٥٠م قيام الدولة العباسية مقابل إضمحلال دور الأمويين
ليمتد نفوذها خلال عام واحد إلى أجزاء من عُمان. ومن بين العُمانين
الأوائل الذين سجلهم التاريخ الشيخ عبدالله العُماني من صحار(عرف في
الصين بأسم "زن يا تاو لو") الذي زار الصين في العام ١٠٥٠م في فترة حكم
أسرة "سونج". ونال الشيخ العُماني شرف مقابلة الإمبراطور "جن تسنج" في
بكين وقدم له الهدايا، وعينه الإمبراطور ممثلاً للجالية الأجنبية في
مدينة "كانتون". وفي القرن الثالث عشر الميلادي تذكر المصادر الصينية
ابن السيد بوعلي من مدينة قلهات الذي أصبح وزيراً لمقاطعة "فوكين"
والذي توفي في بكين في العام ١٢٩٩م. كان الميناء الرئيسي الذي زاره
التجار العرب هو ميناء "خان فو أو خانكو" المعروف بميناء "كانتون" أو "غوانزهو"
الذي لا يزال من الموانئ الصينية الرئيسية إلى يومنا هذا.
دلالات "أسد صحار":
تتكون القطعة من ثلاثة عناصر رئيسية كالتالي:
الدورق: ويظهر متربعاً فوق ظهر الأسد، وهو يجسد "بوذا بايساجيجورو" (Bhudda
Bhaisajyaguru) الذي يعرف إختصاراً ببوذا التداوي والطب. حيث أنه يوصف
بالطبيب الذي يداوي المعاناة من خلال توظيف طب تعاليمه الروحيه. جرت
العادة في تجسيد بوذا الطبيب على هيئة راهب بوذي في جلسة تأمل متربعاً
على عرش على هيئة زهرة اللوتس المتفتحة حاملاً بيده اليسرى جرة زرقاء
تحوي عصارة الدواء بداخلها.
الأسد: وله عدة دلالات في الثقافة الصينية وبعض الثقافات الأسيوية، ومن
المنظور الروحي فالأسد المعروف بالأسد البوذي أو "ﭙينيين" (Pinyin) هو
حامي بوذا.
زهرة اللوتس: تختلف الوان زهرة اللوتس وتتنوع مضامينها ولكل منها
دلالاتها خاصة، فالوردية ترمز لأعلى المراتب المرتبطة ببوذا ذاته،
والبنفسجية للبعد العرفاني والتصوف، والبيضاء تجسد النقاء الفكري
والكمال الروحي، والحمراء تجسد الحالة الأصلية للقلب، بينما ترمز
الزرقاء لنصرة الروح على الحواس المادية، وترمز للذكاء والحكمة والعلم
والمعرفة. والزهرة المتفتحة كما في القطعة مجال البحث تعكس الحكمة
القائلة بأن قلب المخلوقات يشبه زهرة اللوتس المغلقة وعندما ينموا لدى
المخلوق الحس بحكمة بوذا يصفوا قلبه ليصبح كزهرة لوتس في أوج انفتاحها.
إعداد المقال:
جمال بن حسن الموسوي
مدير المتحف الوطني
|